Reply to this topicStart new topic
محمد ابوعراق
شارك Jan 31 2010, 06:50 PM
مشاركة #1

عضو جديد



*
حالة الاتصال :

المجموعة: عـضـو
المشاركات: 4
التسجيل: 18-January 10
رقم العضوية.: 106162
الجنس: ذكـر



يوم الأحــد
إلى: H.A.TH


ها هِي الشّمسُ تُشرِق مَرّة أُخرى... ها هي الشّمسُ تَصعَد مِنْ وَراءِ تِلكَ الجِبالِ الّتي أعرِفها جَيداً، وتَنثرُ أشِعتَها الدّافِئة عَلى أديمِ الأرض، وتَمنحُ البُذور القانِطة تَحتَ الثّرى بَعضَ الأمَل.
إنّهُ يَوماً آخر... يومٌ جَدِيد... وأنا أعرِفُ الأحداث الّتي يَحملها هذا اليَوم.. أعرِفُ نِهايّة اليَوم مُنذُ بِدايَته... فَهو بِلا شَك يُشبِهُ تَماماً الأمس... تَماماً كَما كانَ الأمس يُشبِه اليَومَ الّذي قَبله.
مَعْ أولِ نِسمةٍ تَنفسها الصُّبح؛ نَهضتُ عَنِ الكُرسِي الّذي ظَلّ يَحمِلني طوالَ الليل، واتَّجهتُ مِنْ غُرفَتي نَحو المَطبخ لأطهو قَهوة الصّباح... لقَد شَرِبتُ في الّليلِ خَمسةَ عَشر كُوباً مِنَ القَهوة، ولا يَزالُ نِصفُ الكُوب الأخير أمامي؛ لكِن لا بُدّ مِنْ صُنعِ قَهوةِ الصّباح لأُقنِعَ نَفسي أنّي كَغيرِي مِنَ الذِينَ استَيقَظوا لِلتو، وسَيذهَبونَ بَعدَ احتِساءِ قَهوةَ الصّباح إلى كَسبِ لُقمَةِ العَيش؛ لكِنّي وبَعد الإنتِهاء مِنْ صُنعِ القَهوة لا أجدَني مُلزَماً بِتبديلِ مَلابسِ النّوم بِملابسٍ تَصلحُ للخُروج... فَأوهِمُ نَفسي بأنّي تَذكَرتُ لِلتو أنّ اليَوم هُو يَومُ عُطلة، ولَو كانَ يَومُ الأَحَد؛ فأينَ المُشكِلة مِنْ أن يَكونَ يَومُ الأحَد يَومُ عُطلة؟... أعُودُ لِلجُلوسِ عَلى الكُرسي في غُرفَتي وأنا أحتَسي قَهوَتي مُستَمتِعاً بِيومِ عُطلَتي؛ أستَمعُ إلى أغاني فَيروز الّتي تَشغَلُ كُلّ مَحطّاتِ الرّاديو... أقلّبُ صَفحاتِ كِتاب قَرأتهُ عِشرونَ مرّة، وأُمعِنُ التّفكِير عِندَ جُملةٍ مُعيّنة، وأبتَسم عِندَ أُخرى وأعقِدُ حاجِبي عِندَ غَيرهُما دَليلاً عَلى عَدم المُوافقة والإعتِراض.... أفعلُ هذا لِيبدو لي أنّ هذهِ المرّة هي فِعلاً المرّةُ الأولى الّتي أقرأ فِيها هذا الكِتاب... ثُمّ أأخُذ كِتاباً آخر وأكُونُ قَد قَرأتهُ أيضاً لكِني أفعَل مَعهُ الشّيء ذاته الّذي فَعلتهُ مَع سابِقهِ... أمسِكُ القَلم، وأروح أكتُب وساعات اليَوم تَمرُ دونَ أن أتَنبّه لِذلك، ولَولا ظَلمةُ المَكان الّتي تَشتدّ تَدريجِياً، والّتي دَعتني إلى إشعالِ المِصباح؛ لمَا كُنتُ عَرفت بأنّ الّليل قَد جاء. هُنا صَعدتُ إلى أعلى الدّار، ونَظرتُ إلى تِلكَ الجِبالِ الّتي أعرِفُها كَما أعرِفُ بَيتي هذا... فَبدَت لي وسطَ الظّلام كأنّها أشباح تُحاكي السّماء بإسرارٍ عُلويّة لا يَعرِفها البَشر.. لَقد خَبرتُ هذهِ الجِبال جَيداً... عِندَما كُنتُ صَغيراً كُنتُ أذهَب إلى هُناك مُمتَطِياً درّاجَتي الهَوائِية لأعبَث بأعشاشِ الطّيور وجُحور الأفاعِي... كُنتُ أفتَرشُ الأرض وأستَظِلُ بِظلِ شَجرةِ زيتُونٍ، وأغفو عِندَما أشعرُ بالتَعب مِنَ الجّري وراء الأرانِب البَريّة، وبَحثاً عَنْ شَيءٍ ما لا أتَذكّرهُ الآن.... لَقد خَبرتُ هذهِ الجِبال أكثَر مِنْ أيّ شَيء... لَقد كانَ لنا أرضٌ هُناك... عِندَما كنتُ صَغيراً كُنتُ أقولُ لأبي بأنّي حِينَ أكبُر سأبني بَيتاً عَلى هذهِ الأرض بَعيداً عَنِ النّاس، وأنّي سَأزرعُ فِيها كُلّ ما يُمكِنُ أن أحتاجه، وسَأُربّي المَواشِي لِكَي أكتَفي ذاتِياً مِنْ كُلّ شَيء... في الحَقيقة أيّها السّادة أنّني كنتُ أبني عَليها آمالاً كَثيرة؛ إذ أنني كنتُ أعتَقدُ أنّ الأرض هي الشّيء الّذي يَربطُ الإنسانَ بِوطنهِ وَيبثُ فيهِ الشّعور بِوجُودٍ لِوجودهِ في هذهِ الحَياة، وإنّي لازِلتُ أعتَقدُ هذا إلى الآن.... في تِلكَ الجِبال كانَ لنا أرض... وكانَت سَتبقى إلى الآن لَولا تَطفُل جَشع مُحتال أصلَع عَرفَ كَيفَ يَستَغلُّ طِيبةَ والدِي وثِقته، فاختارَ أصعبَ الظُروف الّتي وقعَ أبي تَحتَ سَطوةِ عَوزِها، وخَيّرهُ بَينَ العَيش خَلفَ القُضبان الفُولاذِية وبينَ تِلكَ الأرض الّتي دَفعها أبي ثَمناً لِحُرّيته... أتذكّرُ حينذاك أنّ أبي أخَذَ بِمشورَتي لإعانَتهِ عَلى اختيارِ أحدِ الخَيارَين؛ كنتُ أُحبُ الأرض أكثر مِنْ أي شَيء؛ لكِني في تِلكَ الّلحظة عَرفتُ أنّ هُناكَ ما يَستَحِقُ أن أحِبهُ أكثَر مِنَ الأرض، وعَرفت أنّه إذا لَم يَكُن هُناكَ حُريّة فمّا فائِدة الأرض، وما الّذي سَنقدّمهُ لَها في حالِ كُنّا عَبيد؟.... "الحُريّة قَبل الأرض" قُلتُ يَومها لأبي... لكِنّي شَعرتُ بالحُزنِ والألَمِ عَلى فُقدانِ تِلكَ الأرض، كَما شَعرتُ بالحِقدِ يَتغلغَلُ في داخِلي عَلى ذلِكَ الأصلَعُ الدّجَال.
بالأَمس وبَينَما أنا أقومُ بالمَراسِمِ الصّباحِية، تَفاجئتُ كَثيراً بأنهُ لا يُوجَد " بُن "... لَقد نَفذَ البُنُّ تَمامَاً... أي أنّهُ لا يُوجَد قَهوة صَباح... في الحَقِيقة أنا لَم أتَفاجئ إطلاقاً، لكِني أقولُ هذا لأجعَل َالأمرَ يَبدو نادِرَ الحُدوث، وفي الواقِع أنّ وُجود البُنّ في بَيتِنا هُو الأمرُ الّذي يَدعُو إلى المُفاجأة، لأنّ وجُود البُنّ بِشكل شِبه دائِم في بَيتٍ كانَ يَخلو مِنَ الخُبزِ أحياناً كَثيرة، ومِنَ القُوتِ أطواراً، شَيء يَدعو للإعجاب ورُبّما إلى التّفاؤل... نَعم التّفاؤل... لأنّ هذا مُؤشِراً يُشِيرُ إلى أنّ عائِلَتي باتَت تُدرِكُ جَيداً أنهُ لا حاجَةَ لي بالخُبزِ في عَدمِ وجُودِ القَهوة، وأنّ العَكس لَيسَ صَحِيحاً... لكِن هَل يا تُرى لِهذا الأمر عَلاقة بالأرض؟... هَل يا تُرى لَو كانَت الأرض لا تَزال لَنا، فَهل سَنفتَقِرُ لِلخُبز والقوت؟ بالطّبعِ " لا "... لكنّي أعودُ لأقول.. ما دُمنا نَحتاجُ الخُبزَ لِنَعيش... فَما فائِدةَ أن تَعيشَ عَبداً؟!... فَالحَياة لَيسَت حَياة عِندَما لا تُعرّف إلاّ بِعكسِ المَوت... والأرض لَيسَت أرضاً دونَ العَطاء. ( فها هِي الأرض – أرضَنا – لَم، ولَن تَهِب الأصلَع شَيئاً أبَداً مَهما أعطاها مِنْ اهتِمامهُ... لأنّهُ بِبَساطَة سالِب... والسّالِب لا يُعطى مِنَ اللهُ شَيئاً، لأنهُ لا يُؤمِن إلا بِخُبثه، وخُبثه لَن يَجعَل الأشجارَ تُثمِر، ولا الأرضَ تَعمُر)... مَنْ يَدرِي فَرُبّما لَو لَم يَستَولِي ذلِكَ الأصلَعُ الدّجال عَلى أرضِنا، لَما كنتُ مُضطراً لإحتِساء القَهوة... ولَما كُنّا سَنُعانِي لِلحُصولِ عَلى رَغيفِ الخُبز... وبالتّالِي لَما وجَدتّني كاتِباً - فالكاتِب هو الّذي يُعاني - هَنيئاً لِلكاتِبِ الّذي يُعانِي؛ فأنّهُ إن عانَى أبدَع، وإن أبدَع أطرَبَ وأمتَع... فَبذهابِ الأرض تَفتّحت عَيناي عَلى مَوهِبةٍ مَوجُودَةٍ في داخِلي لَم أكُن قَد تَنبّهتُ لَها مِنْ قَبل... هذا هوَ عَطاءها لي... وهِي لا تَبخَلُ عَليّ بالعَطاءِ إلى الآن رُغماً عَنْ أنفِ سالِبها الّذي مَسّهُ القُنوط، واعتَراهُ السّقَم.
أُدرِكُ أنا أنّ هذا اليَوم هو يَومُ عُطلة مَع أنّهُ يَومُ الأحَد... كَما أُدرِكُ أنّ يَومَ الأحَد سَيجمَعُ كُلّ وِحدَته ومَلله، وجَشَعهُ، ثُمّ يَمضِي بَعيداً حَيثُ لا رَجعة... وأنا جالِسٌ أنتَظِرُ رَحيلَ هذا اليَوم بِفارغِ الصّبر... لَيسَ حِقداً عَليهِ وكُرهاً بهِ وحَسب... بَل لأنّهُ أيضاً يَحرِمُني مِنَ الشُّعورِ بالحَنينِ، إلى وردَةٍ وخَزنَي شَوكُها عِندَما هَمَمتُ لِقطفِها في يَومٍ مِنَ الأيام.



محمد ابوعراق"راهن"
Go to the top of the page
 
+Quote Post
راجي سراب
شارك Feb 4 2010, 09:16 AM
مشاركة #2

عضو ماسي متميز



أيقونات المجموعة
حالة الاتصال :

المجموعة: مراقب عام
المشاركات: 4900
التسجيل: 19-November 04
البلد: لم أجدني
رقم العضوية.: 8476
الجنس: ذكـر





"الحُريّة قَبل الأرض"

"أنّهُ يَومُ الأحَد... وأنا جالِسٌ أنتَظِرُ رَحيلَ هذا اليَوم بِفارغِ الصّبر... لأنّهُ أيضاً يَحرِمُني مِنَ الشُّعورِ بالحَنينِ، إلى وردَةٍ وخَزنَي شَوكُها عِندَما هَمَمتُ لِقطفِها في يَومٍ مِنَ الأيام"

عزيزي راهن

مددت راحة إحساسك فصافحت بداخلنا المهجة والفكر

تأملنا معك هذه الجميلة ... ثمن الحرية... جشع الأصلع...و أفاعيل هذا اليوم بالذات..

ملحمة وجدانية أمتعتنا بها أيما امتاع

مودتي



التوقيع



Go to the top of the page
 
+Quote Post
* صقر *
شارك Feb 4 2010, 10:52 AM
مشاركة #3

عضو ماسي متميز



أيقونات المجموعة
حالة الاتصال :

المجموعة: Banned
المشاركات: 3354
التسجيل: 25-December 04
البلد: الاردن
رقم العضوية.: 10869
الجنس: ذكـر



إقتباس
فَبذهابِ الأرض تَفتّحت عَيناي عَلى مَوهِبةٍ مَوجُودَةٍ في داخِلي لَم أكُن قَد تَنبّهتُ لَها مِنْ قَبل... هذا هوَ عَطاءها لي...
وهِي لا تَبخَلُ عَليّ بالعَطاءِ إلى الآن رُغماً عَنْ أنفِ سالِبها الّذي مَسّهُ القُنوط، واعتَراهُ السّقَم.


محمد ابوعراق...

يو الاحد ...

راقت لي جداااااااااا

الله يعافيك



التوقيع

Go to the top of the page
 
+Quote Post

Reply to this topicStart new topic
1 عدد القراء الحاليين لهذا الموضوع (1 الزوار 0 المتخفين)
0 الأعضاء:

 

RSS نسخة خفيفة الوقت الأن: 3rd September 2010 - 02:42 AM
 

Copyright © 2003 2010 www.Ghyoom.com! Inc. All rights reserved . Design By AlShatri