مع الدكتورة : رجاء عودة
لقاؤنا بالأديبة السعودية د. رجاء عوده الأستاذة في جامعة الملك سعود، ورئيسة لجنة الأديبات المسلمات برابطة الأدب الإسلامي
بداياتي الأدبية انطلقت منذ المرحلة الابتدائية
وكان للشيخ الطنطاوي الأثر العميق في حياتي
لقاؤنا بالأديبة السعودية د. رجاء عوده الأستاذة في جامعة الملك سعود، ورئيسة لجنة الأديبات المسلمات برابطة الأدب الإسلامي، لم يكن لقاءاً أدبياً فقط، بل تعرّضنا إلى كثير من القضايا الثقافية، والتربوية، والأسرية، فهي أشبه بحديقة غنّاء متنوعة الأزهار، لابد أن يفوح شذاها، ولذا يجيء حوارنا معها في "الرياض" يعبق بنبض الحاضر، وأصالة الماضي000
س : لنتحدث عن بداياتك الأدبية، متى بدأت، ومن كان له الأثر العظيم في رعاية هذا الجانب في مسيرتك الأدبية، وما هي هذه الاهتمامات؟
ج : بداياتي الأدبية انطلقت منذ المرحلة الابتدائية، وكانت عبارة عن اختيارات شعرية ونثرية، قصة، قصيدة، طرفة، حكمة، مثل، حوار000إلخ، وكنت أحفظ عدداً منها، وأُلقيه في مجالسنا العائلية، حيث لاقت استحساناً من الأهل، والأقارب، ممّا حفّزني للاهتمام بها، حتى أصبحت لديّ القدرة على محاكاة نماذج منها، شكلت نواة موهبتي الأدبية، تلك التي برزت أولاً على شكل قصص قصيرة، لم تكن على درجة من الجودة الفنية، ولكنها كانت المهاد لانطلاقتي الأدبية، ومن ثم تنامت هذه الموهبة بتعدد مجالاتها وموضوعاتها.
فكان منها: إعداد بعض البرامج الإذاعية، وكتابات صحفية، وملتقيات أدبية، ومؤلفات أكاديمية.
فعلى صعيد الكتابة الإذاعية شاركتُ بإعداد برنامج المرأة "البيت السعيد"، والبرنامج الفكري: "يا أخي المسلم" و "خمس دقائق مع دكتورة رجاء عوده"، إلى جانب المساهمة بندوة إذاعية عن "أهمية الفصحى، وعوامل تفعيلها لدى الناشئة" شاركت في هذه الندوة أستاذات من جامعة الملك سعود، وأدارتها المذيعة السيدة "دلال عزيز ضياء" فضلاً عن لقاءات إذاعية في برنامج "المرأة والبحث ا لعلمي".
أما الكتابة الصحفية فقد شملت المقالات: الإسلامية، والاجتماعية، والأدبية، ونُشرت هذه المقالات في مجلة: الشهاب اللبنانية، ومجلة الثقافة والفنون، والمجلة العربية في المملكة السعودية، ومجلة العربي الكويتية، ومجلة التراث العربي السورية، ومجلة رابطة الأدب الإسلامي العالمية.
ومن الملتقيات الأدبية التي شاركت فيها: "الموسم الثقافي لجمعية الجنوب النسائية الخيرية" في مدينة أبها عام 1409هـ، والملتقى الدولي الأول للأديبات الإسلاميات، المنعقد في القاهرة عام 1420هـ، وعلى صعيد التأليف العلمي، لدى كتب مطبوعة، وأبحاث منشورة، فمن الكتب المطبوعة: "الإعجاز القرآني وأثره على مقاصد التنزيل الحكيم"، وكتاب: "طلب العلم"، وهو ضمن مجموعة كتب "موسوعة القيم ومكارم الأخلاق العربية والإسلامية"، وكتاب: "الأديبة الإسلامية وقضايا الأمة ـ سهيلة زين العابدين حماد ـ نموذجاً" تحت الطبع.
ومن الأبحاث المنشورة: "قراءة في بنية القصيدة المدحية، قصيدة القُطامي ـ نموذجاً ـ و "لماذا لم تبك الخنساء أبناءها" و "مدلول العبادة وصلته بالهداية"، أما من كان له الدور الفاعل في تعزيز موهبتي الأدبية، فالفضل الأول بعد الله سبحانه وتعالى لزوجي ـ جزاه الله خيراً ـ ثم الأستاذ الجليل الشيخ علي الطنطاوي ـ يرحمه الله ـ وذلك عندما أرسلت له رسالة لزوجي أُعلق فيها على حديث له هزّني وجدانياً، وأثار شجوني، فلمّا قرأها قال لزوجي ـ بظرفه المعهود ـ "يا أخي لماذا تكتب الرسالة لزوجتك وتوقعها باسمها؟!، أجاب زوجي: "لم أفعل شيئاً سوى نقلها إليك!" فأبدى إعجابه بأسلوبها، وأوصى زوجي بتشجيعي على الكتابة، ومواصلة مسيرتي الأدبية. ونقل زوجي وصية الشيخ الطنطاوي بصيغة مؤثرة قائلاً: "أستاذ الأدب الكلاسيكي أثنى على أسلوبك! ومن يحظى بهذا الثناء؟!" كما أن زوجة الشيخ الطنطاوي ـ يرحمها الله ـ قد نقلت لي هذا الإعجاب والتشجيع.
وحقاً تركت وصية الشيخ الطنطاوي ـ يرحمه الله ـ الأثر العميق في نفسي، وحفّزتني أيضاً لاستكمال دراستي العلمية، إذا لم أكن في تلك الفترة قد حصلت على الشهادة الثانوية، نظراً لزواجي المبكر في المرحلة المتوسطة لظروف أسرية.
ومن ثم تابعت دراستي للمرحلة الثانوية، وما يليها بعد إنجابي خمسة أولاد: ولكني كنت أمارس في تلك الفترة هوايتي الأدبية.
س : كنت رائدة للنشاط الثقافي في جامعة الملك سعود، ولكن هناك من يقول: أن النشاط الثقافي ما زال متعثراً لدينا، فما ردك على ذلك؟!
ج : لا أتصور أن النشاط الثقافي النسائي على هذه الصورة التي تعنيها العبارة! فالنشاط الثقافي النسوي موجود، وذو حضور فاعل، ولكن لا يُوازى بالنشاط الثري لدى الرجال، نظراً لاختلاف الظروف والإمكانيات والاهتمامات، فعلى سبيل المثال: هناك المهرجان الوطني للتراث والثقافة الذي يقام في مكتبة الملك عبد العزيز، ويحفل بالعديد من المحاضرات القيمة، فضلاً عن: الأمسيات الشعرية، إلى جانب ما تقيمه المكتبة خلال موسمها الثقافي الخاص بالسيدات كل عام، إذ يُشكل منبراً ثقافياً متعدد الموضوعات والاهتمامات، ويحظى بحضور النخبة المثقفة من الأكاديميات والأدبيات وسيدات المجتمع، كما يقام في المكتبة نفسها ـ فرع المربع ـ مناقشة كتاب هام مع غرة كل شهر عربي، يُعلن عنه مسبقاً، ثم تتم مناقشته بوعي ناضج، وحضور جماهيري واسع، يمثل ألوان الطيف النسوي المثقف في مدينة الرياض.
ومع ثراء هذا النشاط الثقافي لمكتبة الملك عبد العزيز، ينهض نشاط آخر يوازيه في الندوة العالمية للشباب الإسلامي ـ اللجنة النسائية ـ إذا تقيم اللجنة عدداً من الأنشطة الثقافية المتنوعة: محاضرات، ندوات، لقاءات، دورات، مخيمات، إلخ000وتُعنى بشؤون المرأة، والطفل، والأسرة، والجاليات الإسلامية، والقضايا المعاصرة الملحة، وسوى ذلك.
هذا من جانب تفردها بإقامة حفل العيد السنوي للطفل، ذلك الحفل الذي بلغ رصيده من النجاح أربعة عشر عاماً، مُجسداً صورة نموذجية للأسرة السعيدة المسلمة، بصورة مشوّقة، ورؤية معاصرة، وفضلاً عن ذلك هناك أنشطة ثقافية متعددة تقام في بعض المراكز الثقافية كمركز البابطين الثقافي، ومركز الأمير سلمان الاجتماعي.
س: لك كتابات جادة عن أهمية الأدب في الأسرة000تُرى ما دور أدبنا المعاصر في التأثير على الأسرة المسلمة اليوم؟
ج : أجل000اهتمامي في الأسرة امتد إلى دراستي الأكاديمية، إذ كان موضوع الماجستير: "شعر الأسرة في العصر الأموي"، وموضوع الدكتوراة: "أدب البُنوة في نثر العصريين الأموي والعباسي الأول". وكان من نتائج هذه الدراسة الاطلاع على أن المرأة حظيت بمكانة مرموقة لدى الزوج، إلى جانب الاهتمام الشديد بالبنوة، لاسيما لدى الخلفاء، فهذا مروان بن محمد آخر خلفاء بني أمية يوجه لابنه رسالة حررها عبد الحميد الكاتب، بلغت نيفاً وأربعين صفحة من صفحات صبح الأعشى، رسم فيها النموذج الإنساني الأمثل لولده "محمد" إيمانياً وسلوكياً، وقيادياً، وسياسياً، وهي كما وصفها الأستاذ محمد كرد علي بأنها شملت: خططاً جديدة في النظام والإدارة، والسياسة، وقواعد مهمة في التربية، وأصولاً كلية في علم النفس، والعادات المستحبة، ومعاملة المرؤوسين.
والخليفة العباسي هارون الرشيد، الذي وُصف عصره بالعصر الذهبي للخلافة الإسلامية لم تُشغله شؤون دولته الواسعة الأرجاء، العظيمة الجانب عن رعاية ولده!! إذ تراءى الجانب الآخر من شخصية الرشيد، شخصية تربوية من الطراز الأول، تدرك أهمية العملية التربوية في أجلى مظاهرها، بدءاً من اختيار المربي الكفء إلى وضع المنهج التربوي المتكامل: خلقياً، تعليمياً، نفسياً، إلى المتابعة الدقيقة لتطبيق هذا المنهج، مما يضيء للبنوة دروب حياتها، ويحقق طموحها، وصلاحها.
ومن مظاهر الاهتمام بالأسرة لدى الأسلاف تستوقفنا رسالة في التربية، وجهها ابن المقفع لولده راسماً فيها منهج تكوين الشخصية البنوية على دعائم إسلامية جاعلاً من سلامة العقيدة أولى معالم هذا المنهج، الذي يمنحه نسغ الحياة، ومؤهلات النجاح.
وهذه الرسالة تشكل للمتلقي رحلة إمتاع أدبية فكرية حضارية، وتجد تراث ابن المقفع الأدبي الإصلاحي، وتمثل ركيزة من تراثنا الإسلامي في علم الأخلاق بأسسه وغاياته.
أما عن مظاهر الاهتمام بالأسرة في أدبنا المعاصر فيبدو لي حسب اطلاعي لا يوازي تماماً بذلك الاهتمام لدى الأسلاف، أو بنتاج ذلك الاهتمام ـ إن صح هذا التعبير ـ على الرغم من توسع الوسائل التربوية، والأدبية، والدعوية، الإنترنت، كتب، أشرطة، محاضرات، ندوات، دورات، مخيمات000إلخ
ولعل ذلك بسبب عوامل الغزو التقني الذي لم يوظف توظيفاً إيجابياً، إن لم تغلب المساوئ على المحاسن، إلى جانب كثرة المغريات لدى الناشئة، واستجابة الآباء لمتطلبات الأبناء دون مناقشة، مما أفشل مهمة الاهتمام بالأسرة على صورتها المرجوة ـ إلاّ من رحم ربك ـ ويحضرني في هذا الشأن رأي أستاذ الجيل، وعلامة العصر الشيخ على الطنطاوي ـ يرحمه الله ـ عندما قارن بتدني مستوى أبناء هذا الجيل عن مستوى الجيل السابق من العلماء والمبدعين والقادة، معدداً أسماءهم ومجال نبوغهم، مع قلة الإمكانيات، ورقة الحال، معللاً ذلك بسبب كثرة المغريات، التي شغلت وقت الأبناء دون طائل، وصرفت أغلبهم عن القضايا الجادة، ومعالي الأمور، فالمشغول لا يُشغل! مؤكداً بأن واقع الحال يُغني عن المقال؟!
وهذا الرأي للشيخ الطنطاوي يؤكده أحد المختصين بشؤون الأسرة، آخذاً على الآباء الاستجابة لرغبات الأبناء دون مناقشة، ودون المطالبة إزاءها بإنجاز يتكافأ مع عمر البنوة وقدراتها الفكرية، معللاً بأن صلاح المقدمات يؤدي إلى صلاح النتائج!!
س : الأديبة د. رجاء محمد عودة رئيسة لجنة الأدبيات الإسلاميات في رابطة الأدب الإسلامي العالمية، تُرى ماذا قدمت هذه اللجنة للأديبات؟!
ج : حقاً إن هذه اللجنة لم تحقق طموحها لقلة الإمكانات المتاحة، لاسيما عدم وجود مكتب مستقل ينهض بأنشطتها الثقافية.
ومع ذلك فقد ساهمت بانعقاد الملتقى الدولي الأول للأديبات في القاهرة عام 1420هـ، وحقق بفضل الله سبحانه، ثم بجهود الدكتور عبد القدوس أبو صالح، رئيس الرابطة، وجهود الأستاذة سهيلة زين العابدين الرئيسة الأولى للجنة الأديبات نجاحاً ملحوظاً، سواء على صعيد التواصل الأخوي، والتلاقي الفكري بين عضوات الرابطة، أو على صعيد النتاج العلمي المتميز الذي طرح في جلسات المؤتمر، ثم توج بتوصيات فاعلة، كانت المهاد لانعقاد الملتقى الثاني للأديبات المزمع عقده في 15ربيع الأول 1425هـ في مكة المكرمة إن شاء الله.
واللجنة تأمل أن تمارس نشاطها عندما تم لها إنشاء مكتبها الخاص بها في المستقبل القريب في المملكة العربية السعودية، ومع ذلك فإن المكاتب الإقليمية في البلاد العربية تمارس الأخوات الأديبات نشاطها الثقافي فيها بنجاح، في مصر، أو الأردن أو المغرب العربي.
للمرأة دور كبير في بناء جيل المسقبل000إلى أي مدى تقوم المرأة بهذا الدور في بلادنا؟ س :
ج : حقاً للمرأة دور حيوي في بناء جيل المستقبل، ليس فقط لأنها تُعدّ لسان حال الأمة، والمعبرة عن آلامها وآمالها، شأنها في ذلك شأن الكاتب، بل لأنها تمثل المحضن الأول لهذا الجيل، واليد الحنون التي تمس حاجاته، وتطلعاته، وتعالج مشكلاته، وتكوين شخصيته في أدق مراحل الحياة.
ولو ألقينا نظرة متأنية لجهود المرأة الكاتبة بلدنا في هذا الميدان لوجدنا جهوداً مشكورة ـ والحمد لله ـ فعلى سبيل المثال هناك جهود الأستاذة الكاتبة سهيلة زين العابدين حماد، في مؤلفاتها المتنوعة: الإسلامية، الاجتماعية، الأدبية00إلخ، وهي في معظمها تصب في هذا الاتجاه، كذلك نجد في كتابات الدكتورة خيرية السقاف الصحفية ومؤلفاتها، وكتابات الدكتورة نورة السعد الصحفية ومؤلفاتها اهتماماً بآمال الجيل وطموحاته، والعوامل المؤدية للارتقاء به.
ولدينا من عضوات رابطة الأدب الإسلامي من شغلها الارتقاء بهذا الجيل، فالأستاذة ثناء أبو صالح لها وقفات تربوية تخاطب فيها هذا الجيل، برؤية واعية، ولغة معاصرة، وأسلوب مشوق، في من أوراق أم، ومن أوراق معلمة، ومن عضوات رابطة الأدب الإسلامي الأستاذة لطيفة عثمان المختصة بأدب الطفل، حيث استطاعت النهوض بهذا الجيل من خلال مسلسلاتها الكرتونية التي عرضت في قناة الجزائر الفضائية بلغة معاصرة، ورؤية إسلامية غرست في نفوس الناشئة قيم الإسلام، ومكارم الأخلاق بتوظيف قصص التراث الإسلامي بأسلوب مشوق، مما حقق لهذه المسلسلات إقبالاً جماهيرياً، يجسد شغف الأجيال لأمجاد الإسلام، وصناع التاريخ.
س : كلمة أخيرة توجهينها للمجلات النسائية؟
ج : بداية أحيي جهود هذه المجلات النسائية، ونفخر بريادتها لهذا اللون الصحفي المتميز الذي أعاد للمرأة المسلمة وجهها الإسلامي الناصع، ومكانتها المرموقة التي حظيت بها في رحاب الإسلام، بعد أن طفت على الساحة مجلات تغريبية وجدت ووظفت لإبعاد المرأة المسلمة عن دينها وقيمها وغايتها الكريمة لتحصر همها في شعرها وملابسها ومكياجها، ومطبخها، وهذا في أحسن الأحوال! ومن ثم نجحت في تهميش دور المرأة الفاعلة التي لا تشكل نصف المجتمع فحسب، بل تربي الآخر! المرأة التي أعدها الله لمهمة سامية جسدها شاعرنا العربي حافظ إبراهيم في قوله:
الأم مدرسة إذا أعددتها
أعددتَ شعباً طيب الأعراق
فهي لا تُربي الأجيال، بل تبني الأوطان أيضاً.
وهنا يبرز دور المجلات النسائية الإسلامية في تعزيز مكانتها بتكثيف جهودها في استقطاب تلك الفئات الشابة المستهدفة، وذلك بإصدارات أكثر جاذبية وتشويق، مؤكدة أهدافها بأسلوب معاصر، ولغة رشيقة، وتقنيات جديدة في الإخراج والتبويب والغلاف، مما يجعلها أكثر جاذبية، وأشد تشويقاً، وأعمّ فائدة.
وحبذا لو توحدت جهود هذه المجلات المتعددة بإصدار عدد نسوي متميز، أو لونين متميزين، يشكل كل منهما قفزة نوعية في ميدان الصحافة النسائية يستقطب اهتمام أفراد الأسرة كافة، مع أمنياتي بالتوفيق، والله من وراء القصد.
****




